ابن عجيبة
625
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الدار ؛ فالترقى فيها من باب الكرم والإثابة على ما هنا . وأيضا : البشرية للآدمى بمنزلة الطلاء للمرآة ، فالمرآة بلا طلاء لا ترى فيها صور الأشياء ، كذلك الملائكة لا بشرية لهم ، فلا تنكشف لهم الحقائق كما تنكشف للآدمى ، ولو كشف لهم ما انكشف له لذابوا . واللّه أعلم . قال في القوت : لعمري إن سائر الملائكة لا ينتقلون في المقامات كترقى المؤمنين ، إنما لكلّ مقام معلوم ، لا ينتقل إلى غيره ، إلا أنهم يمدّون من ذلك بمدد لا نهاية له إلى يوم القيامة ، بأكثر ما يزداد جملة البشر ه . قلت : ومعنى كلامه : أن الملائكة يمدون في مقامهم بقوة لا يستطيعها البشر ، فمن كان في مقام الهيبة دام فيها ، وقوى عليها ، ومن كان في مقام الخدمة ، دام عليها ، وقوى عليها ، قوة لا يطيقها البشر ، ولا يترقى عنها ، بخلاف الآدمي ، فليست فيه هذه القوة ، لكنه يترقى من مقام إلى مقام ، ويترقى في المعارف على الدوام . ثم بسط صاحب القوت في ذلك الكلام في فضائل الصلاة ، وأنها جامعة لما فرق على الملائكة من الأعمال والأذكار . قال : وبذلك فضل المؤمنون الملائكة ، وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب ، على الأملاك بالتنقيل بأن جمعت فيه ، ورفع فيها مقامات ، والملائكة لا ينقلون ، بل كل ملك موقوف في مقام معلوم ، لا ينقل منه إلى غيره ، وإنما له المزيد من المقام الواحد على قدر قواه ، وجمع ذلك كله في قلب المؤمن ، ونقل فيه مقامات . وكان له من كل مقام مشاهدات . ه . قال المحشى الفاسي : وفيه نظر ، مع تلقيهم ضروب الوحي الجامع للمقامات ، فكيف لا يمكّنهم تحققا بها على اختلافها ؟ ، ولو كان كما قال ؛ لكان كل ملك إنما يتلقى من الوحي ما يناسبه ، ويختص بمقامه ، وليس الأمر كذلك ضرورة . ه . قلت : وفي نظره نظر ؛ إذ لا يلزم من تلقيهم للوحي على أنواعه أن يترقوا به ؛ إذ ليس الترقي هو مجرد العلم ، بل الترقي إنما هو أذواق ووجدان ، وكشوفات بعد حصول العلم . وقد يتحقق العلم بالمقام ، ولا ينتقل عنه إلى غيره ، بل قد يعلمه ولا يذوقه ، كما هو محقق عند أهل الفن ، ثم قال : والحق ما نبّه عليه البيضاوي . وكلام القوت ينظر لقول الحكماء ، ومثله كلام الإحياء . ه . ونص البيضاوي في قوله تعالى : قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ « 1 » الآية : إنّ علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، والحكماء منعوا ذلك في الطبقات العليا منهم ، وحملوا عليه قوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ . ه . قلت : ترقى الآدمي هو انتقاله من مقام إلى مقام ، حتى يكاشف بأسرار الذات وأنوار الصفات ، ثم لا يزال يترقى
--> ( 1 ) الآية 33 من سورة البقرة .